[mark=#999999]سيكولوجية الفرد السعودي[/mark]
تتشكل سيكولوجية الفرد من خلال المعطيات البيئية المحيطة، ولعل فترة الطفولة بالنسبة للفرد هي المعبر الأول لتشكل شخصية الفرد، كونها أول محضن من محاضن السلوك البشري الذي يعول عليه الكثير من قبل المجتمع المحيط، ولذا تبدأ كل عمليات التلقين والتحفيز والتربية في السنين المبكرة من الطفولة، حتى ليطلب من الطفل في كثير من الأحيان أن يصبح رجلاً في أول خطواته، وهذا ما يمكن أن نعبر عنه ضمنياً من خلال وصفنا لبعض أطفالنا بأنهم "رجال" تحفيزاً لهم على السلوك الذي نعتبره قويماً.
منذ الطفولة تخلق المجتمعات قيماً وتصورات وأخلاقيات يجب على الطفل أن يتمثلها في مجمل سلوكه، وهذه القيم أو الأخلاقيات المجتمعية تمارس سلطتها على الفرد بشكل كبير مما يخلق نوعاً من الازدواجية في السلوك، وبحسب الرؤية الفرويدية فإن الإنسان واقع بين الأنا العليا الواعية التي تمثلها الأخلاقيات والقيم والتصورات والسلوكيات الواعية الموجهة، وبين الأنا السفلى غير الواعية والتي تمثلها الرغبات والحاجات والضرورات النفسية والجسدية، والانشداد نحو الرغبات كونها فطرية في الإنسان هي ما تخلق لدى الفرد نوعاً من الازدواجية بسبب أنه يحاول كبت هذه الرغبات لصالح الأخلاقيات المجتمعية العامة، وهذا الكبت تنتج عنه حالات في العصاب النفسي، والتشوهات النفسية لدى الخاضعين إلى الضغوطات الأخلاقية أكثر من غيرهم ممن يتمتعون بجزء من الحرية لا يتوفر لدى غيرهم، ولعل المرأة هي أكثر الشرائح البشرية كبتاً مما يفسر لدي شخصياً حالات الأمراض النفسية لدى الكثير من النساء في مجتمعنا السعودي، وكثرة جلسات العلاج من خلال مستخدمي الرقية أو مروجي الشعوذة والخرافة.
وإذا ما أردنا أن نسلط الضوء على سيكولوجية الفرد في المجتمع السعودي؛ فإننا لابد من أن تكون الرؤية الفرويدية هنا حاضرة وبقوة كون هذه الرؤية تتماس مع ما هو كائن في الممارسات السلوكية للكثير من أفراد المجتمع السعودي.
نحن دائما ما نرى تلك الازدواجية التي ربما يوصف بها سلوك العديد من أفراد المجتمع السعودي، ذلك أنه المجتمع الأكثر محافظة، وتبرز هذه الازدواجية عندما يخرج هذا المجتمع ويحتك بالمجتمعات الأخرى المجاورة أو البعيدة عن الحدود المرسومة؛ بل إن هذه الازدواجية واضحة أشد الوضوح في التعامل مع الحياة العادية داخل المجتمع السعودي، فكيف يمكن تفسير سلوك من قبيل التعامل مع السينما مثلاً والموقف الرافض منها في حين أنه تم التصالح مع الفضائيات التي تأخذ حيزها فوق سطوح بيوت غالبية الناس وبأقذر المشاهد أحياناً إلا من خلال هذه الازدواجية التي ذكرناها؟!
لكن.. وهنا السؤال الأساس، في رأيي، في فهم هذا السلوك. ما سبب هذه الازدواجية؟ وبسؤال آخر: إلى أي مدى يمكن أن تؤثر هذه الازدواجية على قابلية التغيير الثقافي في المجتمع السعودي؟
الأنا العليا والأنا السفلى في الرؤية الفرويدية يمكن أن تكون إحدى الإجابات التي توصلنا إلى فهم سيكولوجية الفرد في هذا المجتمع. خضع المجتمع السعودي في فترة طويلة إلى نوع من التدجين الثقافي من خلال الفكر التقليدي، وقولبت هذا المجتمع في قوالب تقليدية وطافحة في تقليديتها أحياناً، حتى لقد أصبح الجديد، أي جديد، مشكلة أخلاقية، وربما رفعها البعض إلى المشكل العقائدي، وهذا الوضع يخلق مستويين في العلاقة مع المجتمع بالنسبة للفرد ومع الحياة بالنسبة للمجتمع ككل. المستوى الأعلى: (الأنا العليا) يخضع إلى قيم ومعايير غاية في التقليدية والأخلاقية الجامدة أحياناً إلى حد الانغلاق الثقافي لدى الكثير من الناس، والمستوى الأدنى: (الأنا السفلى) خاضع إلى المحركات البشرية الأساسية في الفطرة الإنسانية، أقلها الرغبة في الاكتشاف مثلا في المجال الثقافي أو الامتلاك في المجال الاقتصادي، ويمكن رفعها إلى مستوى الرغبة في معرفة كل شي، والرغبة في امتلاك كل شي وتجريبه، وكوننا كنا خاضعين حتى الآن إلى ضغط القيم التقليدية فإن ذلك ينتج عنه الصراع بين الأنا العليا والأنا السفلى لدى كل واحد منا في هذا المجتمع مما يخلق الازدواجية التي ذكرناها.
هذا الوضع يؤخر كثيراً من تطور الفرد وينتج عنه قلق تجاه الحياة بشكل عام، وتجاه الآخرين، وهو ناتج طبيعي مادام أن الفرد مازال يخضع كثيراً إلى منظومة الأنا العليا. نحن نرى كمية العدائية التي يحملها البعض تجاه الآخرين. نرى التوتر في وجوه الناس في الطوابير الطويلة. نرى القلق من كل شيء تقريباً.
تفسير آخر يمكن أن يفتح لنا ثقباً في فهم سيكولوجية الفرد في هذا المجتمع، وهو ما يطرحه المفكر العراقي: علي الوردي من خلال رؤيته حول الصراع بين البداوة والحضارة والتي أثرت على شخصية الفرد العراقي، فالعمق الحضاري لدى العراق والهجرات البدوية قديماً من الصحراء جعل الفرد العراقي يعيش في الصراع بين عمقه التاريخي والحضاري وبين القيم البدوية التي جاءته من الصحراء. مجتمعنا ربما ينطبق عليه العكس من ذلك، فالقيم التقليدية الناتجة عن الثقافة البدوية سابقاً أصبحت تهتز كثيراً مع قيم جديدة أنتجتها الحضارة المعاصرة، وهذا الصراع بين قيم الثقافة التقليدية وقيم الثقافة الحديثة يخلق حالة من التوتر والقلق تجاه الذات، وهو ما نلحظه من خلال الاستماتات العجيبة من قبل البعض في رفض قيم الحضارة الجديدة، أو بشكل أخف، لدى من يحاول أن يجد أرضية للقيم الحديثة من خلال القيم القديمة التي تعود عليها، لأن قيم الحضارة الحديثة تماست مع النرجسية، وهذا وضع عام يشترك فيه العالم العربي تقريباً لكنه يختلف من قطر إلى آخر حسب العمق التاريخي والحضاري لهذا البلد أو ذاك.
مع اتصال الفرد السعودي بالآخر، ومع قابليته للجديد يمكن أن تخف لدى مجتمعنا الكثير من الازدواجية، وتقل لديه الحساسية تجاه الآخر، وربما كان أكثر تصالحاً مع ذاته ومع الحياة بشكل عام شريطة أن يعلي من قيمته الإنسانية وقيمة الآخر إنسانياً، ويعيد ذاكرته إلى المواقف البسيطة التي تعامل معها مباشرة مع الآخر ومع الحضارة ليكتشف عمق التشوهات النفسية التي أصابتنا، وليكتشف أن الكثير من تخوفاته ما كانت إلا محض وهم زرعه لذاته منذ فترة.
للكاتب السعودي
شتيوي الغيثي
وهذا ماارسله الدكتور ناصر العود وكيل عمادة البحث العلمي لأيميلي
رأيكم يهمني حول سيكولوجيه الفرد السعودي